حسن الأمين

289

مستدركات أعيان الشيعة

وبذلت روسيا قبل ذلك مجهودا أكبر مما فعلت ، لكان لحركة علي بك ولكان للروسيا ذاتها في الشرق شان آخر . فقد كتب ( سافاري ) ( 1 ) تعليقا على ذلك كله : « فلو أن روسيا عرفت كيف تستفيد من العروض التي عرضها عليها علي بك فأرسلت له المهندسين وأمدته بثلاثة أو أربعة آلاف من الجند المدربين ، لاستطاع علي بك أن يستأثر بالسيادة في الشام وفي مصر ، ولانتقلت بفضل ذلك تجارة العرب والهند إلى أيدي حلفائه الروسيين » . وقد علل ( بروس ) ( 2 ) عدم إمكان الاتفاق بين روسيا وعلي بك بان الروس كانوا من جانب ، لا يدركون مدى ما يمكن أن يؤدى إليه اتفاقهم مع المملوك المصري من نتائج بعيدة ، فهم لم يثقوا بعلي بك الثقة التامة ، ولم يوثقوا صلاتهم به ، ولم يزودوا أمراء البحر الروسيين بالتعليمات اللازمة ، وهذا بينما لم يوجد لدى علي بك ، من جانب آخر ، المفاوضون الحقيقيون ، والذين يستطيعون التفاهم مع المفاوض الروسي إذا وجد ، وهكذا تلكأ الفريقان - أو بالأحرى تلكات روسيا - ، حتى إذا كان الاتفاق على وشك النجاح ، كانت الفرصة قد ضاعت من أيديهم ، وكان أعداؤهم قد انتهزوا ذلك لتعطيل ثمرة أية محالفة روسية - مملوكية نهائيا . نهاية أبي الذهب أما أبو الذهب فقد اعترف بالسيادة العثمانية كما كانت قبل ثورة علي بك ، ثم بر الباب العالي من جانبه بوعده ، فأيده في شياخة البلد ، وحضر إلى مصر خليل باشا - الباشا العثماني الجديد - وطلع إلى القلعة « على العادة القديمة » ، و « حضر - ( لأبي الذهب من الدولة ) - المرسومات والخطابات ووصل إليه سيف وخلعة ، فلبس ذلك في الديوان ونزل في أبهة عظيمة وعظم شانه وانفرد بامارة مصر » كما كتب الجبرتي في حوادث سنة 1189 هجرية ، وهي السنة التي توفي فيها أبو الذهب . وقد بلغ من حسن علاقته مع الباب العالي أنه استطاع التوسط في تعيين مصطفى باشا النابلسي لولاية مصر ( يونية 1774 ) . - ثم وطد أبو الذهب العزم على الانتقام من الظاهر عمر ، صديق علي بك القديم ونصيره ، و « لاستخلاص ما بيده من البلاد » ، وطمعا كما يبدو في ولاية الشام ذاتها ، فاستصدر فرمانا من الباب العالي لمقاتلة الشيخ ظاهر ، وخرج في مارس 1775 ، وكان معه مراد بك ، ولم يكن أبو الذهب في هذه الحملة موفقا ، فإنه لم يكد ينتصر على جند الشيخ ظاهر في يافا بعد حصار شاق عسير وفتك بأهلها ، وتقدم صوب عكا التي تركها وحصونها الشيخ ظاهر ، فاستولى عليها ، حتى توفي فجاة في 8 يونية 1775 ، في الوقت الذي وافق الباب العالي فيه على تسميته لباشاوية مصر ذاتها . فحنطت جثته ونقلها مراد بك ودفنت في المدرسة التي أنشأها أبو الذهب تجاه الأزهر . الفوضى المملوكية : وهكذا كانت وفاة علي بك ( 1773 ) ، ثم وفاة أبي الذهب ( 1775 ) مؤذنة ببداية عهد من الاضطراب والفوضى في البلاد ، عندما تنازع على السلطة كبار المماليك من جماعة علي بك ومحمد بك أبي الذهب ( 3 ) وكان أظهر هؤلاء البكوات إسماعيل ، ومراد وإبراهيم ، وقد استطاع الأخيران الاستئثار بالنفوذ كله ( 1779 ) ، فاقتسما فيما بينهما مشيخة البلد وإمارة الحج ، واستوليا على موارد البلاد وإيراداتها . ومذ عام 1783 تقريبا امتنع البكوات عن إرسال الجزية إلى تركيا بدعوى أن الإيرادات المتحصلة من الضرائب لا تكاد تكفي لنفقات الإدارة ، ثم كان من أسباب الفوضى ووقوع الخصام من وقت إلى آخر بين إبراهيم ومراد ، وفي آخر الأمر قرر الباب العالي إرسال حملة لاخضاعهما وبخاصة عندما ساد الاعتقاد بأنهما إنما كانا يمعنان في الخروج على سيادة السلطان العثماني بفضل تأييد روسيا لهما . فقد فرغت تركيا من حربها السابقة مع روسيا من مدة ، منذ أن عقد صلح قينارجه ( 1774 ) ، وتحولت الآن إلى الاقتصاص من الخارجين على سلطتها ، معتمده على مجهودات القبطان حسن باشا الذي أعاد تنظيم البحرية العثمانية فتمكنت تركيا بفضل هذه القوة الجديدة من النضال بنجاح ضد الشيخ ظاهر ومحاصرة عكا ، حتى قتل ظاهر وهو يحاول الفرار من وكره الحصين ( في أغسطس 1775 ) ، ( 4 ) وعلى ذلك فان الباب العالي لم يلبث أن أرسل الآن الرسل إلى مصر في إبريل 1786 ، يطلب من البكوات » الخزائن المنكسرة وتشهيل مرتبات الحرمين من الغلال والصرر في السنين الماضية « ، ( 5 ) وفي الشهير التالي وصلت إلى رشيد والإسكندرية دوتما عثمانية وجيش عثماني تحت قيادة القبطان حسن باشا لردع البكوات وإخضاع البلاد للسيطرة العثمانية ، وقد نزل حسن باشا إلى الإسكندرية في 23 يونية ، ثم زار رشيد ، وهناك قابله وفد من العلماء ومن الوجاقلية يحملون له الهدايا لمخاطبته وسؤاله » عن مراده ومقصده ، ويذكرون له امتثالهم وطاعتهم وعدم مخالفتهم ورجوعهم عما سلف من أفاعيلهم . « بيد أن هذه المحاولة أخفقت . وكان البكوات المماليك في أثناء ذلك يحاولون جمع الكلمة على المقاومة عندما اشتد قلقهم من مسلك القبطان باشا ، فقد » كتب عدة فرمانات بالعربي وأرسلها إلى مشايخ البلاد وأكابر العربان والمقادم « يستميلهم إليه ويعدهم برفع الظلم عنهم والانتقام » من خائني الدين إبراهيم بك ومراد بك وأتباعهما . « وقد أثبت الجبرتي صورة من هذه الفرمانات . ( 6 ) وكان مما قوى عزم البكوات المماليك على المقاومة ، التحذيرات التي كانت تأتيهم من جانب أحمد باشا الجزار . احمد باشا الجزار فقد تقدم كيف أن احمد الجزار ( 1750 - 1804 ) كان من مماليك علي بك ، وقد استمر في خدمته حتى إذا استفحل النزاع بين سيده وبين أبي الذهب ، ولم يجد في خدمة هذا الأخير طريقا إلى الغنم والشهرة غادر البلاد ، ثم حط به المطاف بعد حياة شاقة في لبنان ، فدخل في خدمة الأمير يوسف بن ملحم الثاني الشهابي حاكم لبنان ، ثم خرج عليه وساعد الدولة في نضالها ضد الشيخ ظاهر بعد ذلك ، حتى كافأه الباب العالي بولاية صيدا ، ثم استولى على أملاك الشهابيين في البقاع . ومنذ عام 1782 اتسع سلطانه واشتد بأسه لدرجة أقضت مضاجع رجال الدولة ، حتى إذا عزمت تركيا على معاقبة المماليك في مصر ، طلبت من الجزار باشا الخروج بحملة ضدهم . بيد أن الجزار كان لا ينظر بعين الارتياح إلى احتمال وجود القوات المقاتلة العظيمة العثمانية في أرضه خوفا من انقلاب الدولة عليه ، كما كان من جهة أخرى على اتفاق مع البكوات المماليك في تدبير الثورة والخروج على سيادة العثمانيين . ولذلك فقد ظل يتلمس الأعذار بأحوال لبنان لأرجاء الخروج بحملته ، كما صار يحذر البكوات المماليك في مصر من نيات الباب العالي العدائية نحوهم . ( 7 )

--> ( 1 ) - 248 . Savary . t . II Lettre XVI pp ( 2 ) . 105 - 104 . Bruce . Vol . I . PP ( 3 ) . 363 - 355 . Delaporte pp ; 276 - 258 . Savary t II . Lettre XVII . pp ( 4 ) 386 - 385 . De La Jonquiere Histoire de l " Empire Ottoman . PP ( 5 ) الجبرتي . ج 2 : ص 112 - 113 . ( 6 ) الجبرتي . ج 2 : ص 116 ، ثم بعده صفحات 116 ، 117 . ( 7 ) etseQ 2 - 171 , 166 . Lockroy . pp . ثم انظر كذلك محمد كرد علي . ح 2 : ص 313 وما بعدها ، ثم ج 3 :